محمود سالم محمد

363

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

اجتماع أصواتها أو حروفها ، وخاصة عند تشابه الكلمات في الوزن والإيقاع أو تجانس فقرتين في عدد الكلمات ووزنها ، أو في تجانس الكلمتين الأخيرتين من كل فقرة . فمبعث الجمال في موسيقا الشعر ، يرجع إلى الانسجام الذي يدرك بالسمع ، وهذا يؤثر في السامع ، فيجتمع تأثير المعنى والصورة مع تأثير الإيقاع الموسيقي في الشعر ، فيكون للشعر الوقع المميز في النفس ، وهذا يكون على أشده إذا كان الموضوع تهفو إليه النفس ، ويحرك مكامن الارتياح فيها ، مثل الموضوع الديني ومدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، الذي تهفو إليه الأفئدة ، وترتاح لذكره القلوب ، لذلك كان إنشاد هذا الشعر في مجالس الذكر موقّعا ، مشحونا بطاقة موسيقية كبيرة ، وربما صاحبته الآلات الموسيقية حين يفتقر إلى الإيقاع الظاهر ، ولهذا كان لا بد للشعراء الذين ينظمون هذا الفن الشعري من أن يوجهوا عنايتهم إلى الإيقاع في شعرهم ، فكانت أشهر قصائد المدح النبوي هي التي تملك إلى جانب التصرف الجيد في المعاني ، طاقات إيقاعية ظاهرة ، لا تتأتى من الوزن الشعري الخارجي فقط ، وإنما من الإيقاع الداخلي المعتمد على حسن اختيار الألفاظ وترتيبها ، وانسجام عناصر القصيدة جميعها ، مثل بردة البوصيري وبعض قصائده الآخرى . وقد حازت الموسيقا في شعر هذا العصر على اهتمام الشعراء ، فنوّعوا في طريقة أداء القصائد ، وأكثروا من التقطيع والجناس ، ليزيدوا من الإيقاع ، وعمدوا إلى التخميس والتسبيع وغير ذلك ، ليمنحوا قصائدهم طاقة موسيقية زائدة ، تلائم الإنشاد والغناء في مجالس ذكرهم ، ومحافل أعيادهم . وأظهر شعراء المدائح النبوية هذا الاهتمام ، وأبدوا معرفتهم بالوزن الشعري والعروض ، فاستخدموا مصطلحات العروض في تعبيرهم - كما مرّ معنا - ومثل قول النواجي : واها لتقطيع قلب ظلّ يسبح في * عروض بحر جفاء ما له سبب « 1 »

--> ( 1 ) المجموعة النبهانية : 1 / 262 .